ابراهيم بن عمر البقاعي

285

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كان إهلاكهم على عظمه وانتشاره في بعض الزمان ، أدخل الجارّ فقال : مِنْ قَبْلُ أي قبل هذه الأمم كلها ، ثم علل إهلاكهم بقوله : إِنَّهُمْ كانُوا خلقا وطبعا ، لا حيلة لغيرنا من أهل الأسباب في صلاحهم قَوْماً أي أقوياء فاسِقِينَ * أي عريقين في الخروج عن حظيرة الدين . [ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 47 إلى 50 ] وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ( 47 ) وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ ( 48 ) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 49 ) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 50 ) ولما كان إهلاكهم بالماء الذي نزل من السماء ، وطلع من الأرض بغير حساب ، كان ربما ظن ظان أن ذلك كان الخلل كان فيهما ، ثم أصلح بعد ذلك كما يقع لبعض من يصنع من الملوك صنعا يبالغ في إتقانه فيختل ، قال عاطفا على ما نصب « يوم » مبينا أن فعل ذلك ما كان بالاختيار ، دالّا على وحدانيته لتمام القدرة الدالة على ما تقدم من أمر البعث : وَالسَّماءَ بَنَيْناها بما لنا من العظمة بِأَيْدٍ أي بقوة وشدة عظيمة لا يقدر قدرها . ولما كانت السماء أليق لعظمتها وطهارتها بصفات الإلهية ، قال ، وأكد لما يلزم إنكارهم البعث من الطعن في القدرة : وَإِنَّا على عظمتنا مع ذلك لَمُوسِعُونَ * أي أغنياء وقادرون ذوو سعة لا تتناهى ، أي قدرة ، من الوسع وهو اللطافة ، وكذلك أوسعنا مقدار جرمها وما فيها من الرزق عن أهلها فالأرض كلها على اتساعها كالنقطة في وسط دائرة السماء بما اقتضته صفة الإلهية التي لا يصح فيها الشركة أصلا ، ومطيقون لما لا يحصى من أمثال ذلك ، ومما هو أعظم منه مما لا يتناهى ، ومحيطون بكل شيء قدرة وعلما ، وجديرون وحقيقون بأن يكون ذلك من أوصافنا فنوصف به لما يشاهد لنا من القوة على كل ما نريد ، فلسنا كمن يعرفون من الملوك لأنهم إذا فعلوا لا يقدرون على أعظم منه وإن قدروا كان ذلك منهم بكلفة ومشقة ، وسترون في اليوم الآخر ما يتلاشى وما تريدون في جنبه ، ومن اتساعنا جعلها بلا عمد مع ما هي عليه من العظمة إلى غير ذلك من الأمور الخارقة للعوائد : وَالْأَرْضَ فَرَشْناها كذلك بما لنا من العظمة ، فصارت ممهدة جديرة بأن يستقر عليها الأشياء وهي آية على تمهيدنا لأرض الجنة وشقنا لأنهارها وغرسنا لأشجارها فَنِعْمَ أي فتسبب عن ذلك أن يقال في وصفنا : نعم الْماهِدُونَ * أي نحن لكمال قدرتنا ، فما نزل من السماء شيء ولا نبع من الأرض شيء إلا بإرادتنا وتقديرنا واختيارنا من الأزل لأنا إذا صنعنا شيئا علمنا ما يكون منه من حين إنشائه إلى حين إنباته ، ولا يكون شيء منه إلا بتقديرنا ، وذلك تذكير بالجنة والنار ، فما فوقها من خير فهو آية على الجنة ، وما فيها من جبال ووهاد وعر وخروبة فهو آية على النار .